ابو القاسم عبد الكريم القشيري
36
لطائف الإشارات
بيّن أن ما حسبوه نعمة واعتدّوه من اللّه منّة فهو - في التحقيق - محنّة ، وسبب شقاء وفرقة ، وإنما دسّ التقدير لهم سموم الصّاب ، فيما استلذوه من الشراب ؛ « أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ » « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 56 ] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) التّقرّب بالأيمان الفاجرة لا يوجب للقلوب إلا بعدا عن القبول . ويقال إنّ إظهار التلبيس لا ( . . . ) « 2 » الأسرار بردّ السكون ، ولا يشفى البصائر بردّ الثقة واليقين . . فما لا يكون فلا يكون بحيلة أبدا ، وما هو كائن سيكون . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 57 ] لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) إن المماذق « 3 » في الخلّة ينسلّ عن سلكها بأضعف خلّة ، وإن وجد مهربا آوى إليه ، ويأمل أن ينال فرصة ما يتعلّل بها عند ذلك . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 58 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) أولئك أصحاب الأطماع ؛ يتملقون في الظاهر ما دامت الإرفاق واصلة إليهم ، فإن انقطعت انقلبوا كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة . ويقال من كان رضاؤه يوجدان سبب ، وسخطه في عدم ما يوصّله إلى نصيبه فهو ليس من أهل الولاء ، إنما هو قائم بحظّه ، غير صالح للصحبة ، وأمّا المتحقّق فكما قيل : فسرت إليك في طلب المعالي * وسار سواي في طلب المعاش قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 59 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ( 59 )
--> ( 1 ) آية 56 سورة المؤمنون ( 2 ) مشتبهة . ( 3 ) مذق فلان في الود أي لم يخلص ، والمذاق الكذوب الملول . والمقصود أن من لم يخلص في مودته يتنصل بأضعف صفة ولأقل شئ .